آخر صانعي قبب وهلالات المساجد في فلسطين: عائلة “ترتير” تحرس إرثاً يهدده الاندثار
نابلس – خاص في قلب مدينة نابلس القديمة، وبين أزقتها التي تفوح برائحة التاريخ، يقع مشغل صغير يحمل بين جدرانه حكاية صمود لمهنة يدوية قاربت على الاختفاء. هنا، يواصل الشقيقان يوسف وسعيد ترتير العمل في صناعة “هلالات” وقبب المساجد، ليكونوا بذلك آخر الحراس لهذه الحرفة الهندسية الدقيقة في فلسطين.
إرث من يافا إلى نابلس
تعود جذور عائلة ترتير إلى مدينة يافا المهجرة، حيث حمل الوالد “سليم ترتير” أسرار مهنة “السمكرة” والحرف اليدوية معه إلى نابلس قبل أكثر من 55 عاماً. يروي يوسف ترتير كيف بدأ العمل مع والده منذ أن كان في الخامسة عشرة من عمره، متعلماً فنون التعامل مع “الصاج” وتحويله إلى أشكال هندسية تزين مآذن المساجد.
مهنة “الهندسة اليدوية” والمخاطرة
لا تقتصر هذه المهنة على الطرق على المعدن فحسب، بل هي مزيج من الفن والهندسة. يوضح يوسف أن عملهم يعتمد بشكل أساسي على أدوات القياس الهندسية مثل “البيكار، الزاوية، المثلثات، والمنقلة”.
لكن الجمال الفني لهذه المهنة ترافقه مخاطر جسيمة؛ فتركيب الهلالات يتطلب صعود المآذن التي يصل ارتفاعها أحياناً إلى 50 متراً . ويتذكر يوسف أحد المواقف الصعبة التي كاد فيها أن يسقط من فوق مئذنة عالية لولا عناية الله.
التحديات: الاستيراد وعزوف الأجيال
تواجه هذه الحرفة اليدوية تحديات كبيرة تهدد بقاءها، أبرزها:
- المنافسة الخارجية: دخول المنتجات البلاستيكية والمستوردة من الصين، مما أضعف الطلب على العمل اليدوي.
- عزوف الجيل الجديد: يعبر الشقيقان عن أسفهما لأن الأبناء اختاروا مهناً أخرى مثل البناء والمقاولات، مما يعني أن هذه الصنعة قد تنتهي برحيلهما.
- الأوضاع الاقتصادية: تأثر السوق المحلي بشكل عام، مما جعل العمل يقتصر على مواسم معينة، مثل صناعة “مواسير الصوبات” والمداخن في الشتاء، وهلالات المساجد في الصيف.
وجهة لطلاب الهندسة والجامعات
رغم تراجع السوق، لا يزال مشغل عائلة ترتير مقصداً لطلاب الجامعات الفلسطينية. حيث يقدم الشقيقان المساعدة لطلاب الهندسة في مشاريع تخرجهم، خاصة تلك التي تتطلب دقة في تشكيل المعادن والصاج لصناعة نماذج آلية أو قبب مصغرة.
خاتمة: صرخة للحفاظ على الهوية
تعتبر عائلة ترتير اليوم المزوّد الوحيد للهلالات اليدوية لمساجد الضفة الغربية والداخل المحتل، من الخليل حتى جنين . ومع غياب جيل جديد يرث هذه “السمكرة الفنية”، تظل مآذن فلسطين شاهدة على دقة وإبداع عائلة فلسطينية ترفض أن تنطفئ شعلة حرفتها أمام زحف الآلات الصماء.



