هل مياه الأمطار صالحة للشرب وتحضير الشاي؟ بين الموروث الشعبي والحقيقة العلمية

مع بداية موسم الشتاء في فلسطين، تعود عادة جمع مياه الأمطار وتخزينها في الآبار، ويعود معها الاعتقاد بأن مياه المطر أنقى وأفضل للصحة، حتى إن بعض العائلات تفضّل استخدامها للشرب وتحضير الشاي طوال العام. لكن هل هذه القناعة صحيحة علميًا؟ وهل مياه الأمطار آمنة بمجرد جمعها وغليها؟
يوضح الدكتور وليد الباشا، المحاضر في جامعة النجاح الوطنية، أن صلاحية مياه الأمطار تعتمد على عدة عوامل، أبرزها توقيت جمعها، ونظافة الأسطح التي تمرّ بها، وطريقة تخزينها. فمياه المطر قد تلتقط ملوثات من الهواء، كما يمكن أن تجرف الغبار ومخلفات الطيور والأوساخ المتراكمة على أسطح المنازل.
ومن هنا تأتي أهمية التخلص من الدفعة الأولى من مياه الأمطار، إذ تساعد على تنظيف الأسطح من الملوثات المتراكمة خلال فترات الجفاف، مع ضرورة تنظيف أماكن الجمع والخزانات والآبار مسبقًا. ويؤكد الباشا أن مياه الأمطار يمكن الاستفادة منها إذا جُمعت وخُزنت بطريقة سليمة، لكنه لا ينصح بالاعتماد عليها وحدها طوال الوقت، نظرًا لانخفاض محتواها من الأملاح والمعادن الذائبة مقارنة ببعض مصادر مياه الشرب الأخرى.
أما الاعتقاد بأن غلي مياه الأمطار يجعلها صالحة للشرب وتحضير الشاي، فليس دقيقًا بالكامل؛ فالغليان يساعد على القضاء على كثير من الجراثيم، لكنه لا يزيل الملوثات الكيميائية أو المعادن الثقيلة التي قد تصل إلى المياه من الأسطح والأنابيب والخزانات. لذلك، لا يُعد الغليان وحده ضمانًا لسلامة المياه.
وتدعم دراسة علمية أجراها باحثون من جامعة بيرزيت عام 2011 هذه المخاوف، إذ فحصت 42 عينة من مياه الأمطار المجمعة من أسطح المنازل والمخزنة في خزانات بالضفة الغربية. وأظهرت النتائج وجود بكتيريا مجموعة القولون في جميع العينات، وبكتيريا القولون البرازية في نحو 67% منها. ورغم أن معظم المؤشرات الكيميائية كانت ضمن الحدود الإرشادية، كشفت النتائج الميكروبية عن احتمالية وجود مخاطر صحية.
ولا يعني ذلك أن جميع مياه الأمطار في فلسطين ملوثة، فالدراسة تناولت عينات محددة جُمعت قبل سنوات، لكنها تؤكد أهمية فحص المياه قبل استخدامها للشرب. كما تشير منظمة الصحة العالمية ومراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الأمريكية إلى أن مياه الأمطار المجمعة قد تتعرض للتلوث، وأن صفاءها أو مذاقها الجيد لا يثبت خلوها من الجراثيم والمواد الكيميائية.
وبينما تتمسك بعض العائلات بمياه الأمطار لما تعتقد أنه نقاء أكبر ومذاق أفضل، يبقى الحكم العلمي مختلفًا؛ فالتجربة الشخصية لا تكشف الملوثات غير المرئية، والاعتياد على شربها لا يعني بالضرورة أنها آمنة.
في النهاية، جمع مياه الأمطار وسيلة مهمة للاستفادة من الموارد الطبيعية، خصوصًا في ظل التحديات المائية التي تواجه فلسطين، لكن استخدامها للشرب وتحضير الشاي يحتاج إلى جمع وتخزين آمنين، ومعالجة مناسبة وفحوصات مخبرية تثبت صلاحيتها. فمياه المطر ليست ملوثة بالضرورة، وليست نقية بالضرورة أيضًا؛ إنما سلامتها تُحددها جودتها الفعلية، لا مصدرها أو شكلها أو ما اعتاد الناس عليه.



